عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
45
قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين
ثم أوجد بواسطة هذا العقل الفعال الأركان الأربعة ، فأول مخلوق منها هو : النار ، ثم الهوى ، ثم الماء ، ثم التراب . وتمّ التدبير « 1 » بهذه الأربعة مع واسطة العقل الفعّال بأمر اللّه وإرادته وقدرته على حسب ما جرى به القلم الأعلى في اللوح المحفوظ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ، ولا من خلفه ، ولا من جهة من الجهات . وهذه الأربعة أركان المذكورة هي التي كني عنها اللّه تعالى بالأيام بقوله : وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ [ فصلت : 10 ] بالحال .
--> - مكانها ، ولكنها لما نظرت إلى الجسد حلّت فيه ؛ لأن من عادة الأرواح أن تحل فيما نظرت فيه من غير مفارقة لمركبها ، وهذا مما لا يفهم إلا بالكشف الربّاني ، ولكني أمثله لك ليقرب من ذهنك يسيرا ، فهذا الحلول كحلول وجهك في المرآة من غير مفارقة منك لموضعك وهو مجرد مثل . وأما التفرقة فهي حاصلة من كل وجه غير ذلك الحلول ، وشهود تلك الروح القائمة بها الأكوان قدسا وكونا هو البحر ، الذي إذا شاهده الولي شاهد منه الأنبياء والأولياء والملائكة ، وغير ذلك من كل روح قائمة في جسدها شهودا لا تكون فيه تفرقة بين كبيرها وصغيرها ، وكثيرها وقليلها ، ولا ينجيه من الغرق فيه إلا سفينة الشريعة ؛ لأنها ترد له كل شيء إلا بما هو له ظاهرا وباطنا ، فيحكم للكل بما حكم به ربه من وجود ظاهر وعدم باطن . ( 1 ) التدبّر : نعت للحق من حيث تجليّه في باطن الرّتبة الإنسانية ، وفي الإنسان الكامل ، فإن نظر الكامل بربه ، وإن شئت قل نظر الحق بالكامل في المزجة الوجودية الحاصلة من انبساط الوجود على التعينات العلمية المسمّاة معلومات وممكنات ؛ لتمييز أحكام المراتب بعضها عن بعض ، وإضافة كل فرع إلى أصله ؛ لتبقى بعد الامتزاج الوجودي متميزة الأحكام والإضافات ك « هي » ؛ باعتبار تجرّدها عما تلبّست به من الصور الوجودية تسمّى تدبّرا ، فهو توجّه إلهي بسرّ عبدانيّ ، وتوجّه عبداني بحقيقة الألوهة نحو أمر مشهود حالا ، معلوم مشهود أزلا وآنا ؛ توجّها كليّا إلى أصل جمليّ ؛ ليفك ختام تفصيله ؛ حبّا في إكمال إيضاحه وتبيينه وتوصيله . وليس هذا شأن الفكر ، فإن الفكر هو توجّه نفساني بصفة افتقار واستعانة بمواد معلومة من قبل ؛ مستفادة من الحسّ والأوليات وترتيبها على نحو خاص ؛ طلبا لأن يقتنص بذلك كله ما شعرت به نفس المتوجّه من خلف حجاب الطبع ، ومن حيث صفة من صفاته ، أو لازم أو عارض مما ليس بمعلوم عنده ؛ ليصير معلوما . وانظر : النفحات الإلهية للصدر القونوي رضي الله عنهم ( ص 97 ) بتحقيقنا .